03 يناير 2016

قصة قصيرة تحدٍ ..




قصة قصيرة تحدٍ ..
مسعود علي الغتنيني

لم تكد تستلم ورقة الامتحان حتى شعرت بقشعريرة تسري في جسدها النحيل لم يكن الامتحان صعبا بالنسبة إليها فقد تعودت على مثل هذا النموذج من الامتحانات ..شئ غريب لمحته في تلك الورقة لم تتبينه ..أخذت القلم..خطت اسمها ..بدأت الأجوبة تنساب بكل سلاسة رغم صعوبة الأسئلة وتعجيزها ..أنهت إجاباتها في وقت قياسي نظرت إلى الأستاذ..رأته غارقاً في تفكيره ..سألت نفسها ماالذي يفكر فيه وماالذي دفعه لصوغ الأسئلة بتلك الطريقة التعجيزية ..دار خاطر في وجدانها إلا انها دفعته.. وجدت نفسها ترفع يدها لاشعورياً مستأذنة في تسليم ورقتها ..جاهدت كثيراً كي تنبهه من شروده ..رأت اضطرابه !! استأذنته في تسليم ورقتها ..رفض بحجة عدم مرور الوقت المسموح بذلك !!
انكفأت على ورقتها تقلبها ذات اليمين وذات الشمال..مع اختلاس النظرات إلى صفحة وجهه المضئ ..فإذا تلاقت نظراتهما شردت بعينيها في الأفق الفسيح الذي يصنعه خيالها الجامح.. بقيا على تلك الحالة طيلة وقت الامتحان والذي مر سريعاً دون أن تشعر به فكانت آخر من سلم ورقتها ..رأته يضعها في أعلى الروزنامة أصيبت بالقلق ماالذي يعنيه هذا ..؟! مرت بأوقات عصيبة حتى أنهت بقية امتحاناتها ..ومع ذلك لم تتطلع الا لمعرفة علامة ذلك الامتحان..!!
راقبت لوحة الاعلانات لفترة طويلة قبل أن ترى علامتها الكاملة فيها !!
غمرتها نشوة المنتصر وانتظرت بكل شغف قدوم العام الجديد ..رأته يجلس وحيداً يقلب دفتراً قديماً بين يديه ..تعمدت المرور من أمامه رافعةً رأسها في شموخ وهي تدلف إلى قاعتها الجديدة..!!
ابتسم..!!
وهو يشيعها بنظراته..ممنياً نفسه بلقائها في تحدٍ جديدٍ..!!

نظرة في وجه (ناهية)


نظرة في وجه (ناهية)..
كتبه الأستاذ/ هاني عبود الغتنيني


(التفت مباغتاً..صعقت وأنا أرى هيفاء ملتفة بعباءة أنيقة يكاد جسدها الممشوق يتمرد عليها ) تقف حيالي في زهو بالغ..أنعمت النظر في (صفحة وجهها الصقيل )(بقسماته المتحفزة) اكتنفني إحساس بنشوة عارمة وأنا أسمع(خطوات الهيفاء المتمايسة بجرأة متحدية ) تقترب إلي وكأنما أيقظت شعوراً كامناً في أعماقي السحيقة. أبحرت على استحياء في تفاصيل وجهها المفعمة بالجمال وتسمرت عند عينيها الواسعتين الزاخرتين بالحكايا والأسرار ..انقطع حبل الوصل بصوت محبب من الأديب المبدع :
-إنها ناهية مجموعة قصصية للقاص والروائي المتألق الأستاذ/ سالم العبد هززت رأسي موافقاً -نعم إنها ناهية بجمالها الفريد وجرأتها المعهودة.

لقد كنا في مجلس القاضي الأديب العامر بفنون المعرفة والتي نتفيأ ظلالها إلى حين من شطحات الأزمة المتغولة في بلادنا . ..ناولني(ناهية) وعند إجالة النظر في صفحاتها قلت له: إن الكاتب يعتمد في تركيب جملته السحرية على(الصفة أو النعت كمايسمى أحياناً) فاقترح كتابة هذا الملحظ فأعارني(ناهية) و ربماشيئاً من همته العالية المتدفقة .

وهاأنا اسجل انطباع قارئ اكتفى بالنظر في وجه ناهية دون الغوص في أغوارها فلذلك أهله.ولسنا بحاجة للتعريف بالكاتب فهو قامة أدبية سامقة معروفة في الساحة الأدبية. أما مجموعته القصصية (ناهية) فهي تضم ثلاثة عشر قصة قصيرة ترفل في حلل من اللغة المؤنقة والتصوير البديع الذي يجعلها تضج بالحياة والحركة تمتد أحداثها من شوارع فرانكفورت ومقاهي برلين مروراً بمدن شامية لتستقر في شوارع المكلا عند(بسطة الخامر) و(القصر السلطاني) معرجة على (غيضة الرزفة) في المشقاص قبل أن تنتهي في حي باعبود في قصة (ناهية) التي ختم بها وبها سمى مجموعته .

المجموعة بمجملها تعبر عن أنماط وصور للحالة الإنسانية واختلاف طبيعتها وسلوكها باختلاف الشخوص والأمكنة وتماهيها معها وتطورها شعوريا وسلوكيا في كل طور وتبدو تجلياتها في جوانب عدة ومظاهر متعددة تلمح خلالها مقارنات ومقاربات واقعيةمتقابلة ...فمن التوجس من الفتناميين الذين دخلوا كالقطيع الهائج إلى الإغراق في الضحك معهم ومن وحشته من مشهد المقبرة العتيدة التي تطل عليها نافذة السيدة ميرلي إلى التغيير الهائل الذي طرأ على المقبرة إذ تدثرت بغطاء كثيف من الورود مروراً بانتقال البناء من الطين إلى الحجر في ظل استغلال جشع من شيخ الحجار وماتزال تقلبات الطبيعة البشرية تبرز من موقف إلى آخر لتبلغ ذروتها حين انخلست الفتاة( ليلى) عن اسمها لتأخذ اسم( صابرين) في طورها الآخر . وقد سجلت المرأة حضورا مترفا في هذه المجموعة على اختلاف بيئتها الممتدة من بﻻد (السماء الداكنة والنبع البارد) إلى (مناطق الشمس الملتهبة) وتنساب اللغة جميلة رقراقة من قصة إلى أخرى منسجمة مع مكان القصة وشخوصها ناقلة لثقافة المكان لتصل إلينا نفثات من اللهجة المكلاويه الجميلة في قصة ناهية التي اتخذها قنطرة لبث رسائل معينة وللكاتب قصة أخرى بعنوان ناهية2 نشرت خارج المجموعة ويبدو أنها رمز للمكلا وماتتعرض له من ظلم وتهميش . والرمزية في المجموعة تبدو قريبة وﻻ تذهب نحو الغموض المجدب .

يعتمد أستاذنا الكاتب البارع في صوغ قصته على اللغة المصورة ذات الإيحاءات والظلال وله أدواته في ذلك وأكثر مالفتني منها تكرر الصفة أو النعت وهو حينما يعطي اللفظ نعته والموصوف صفته لا يستخدم ما ألفته تلك الألفاظ من صفات إلا ما ندر وإنما يمنحها بعدا آخر ودلالات أخر بصفات ونعوت يختارها بدقة فائقة لتلقي بظلالها على المشهد كله وتبعث في النفس شعورا بجو النص حتى يصنع من الصفة مع موصوفها صورة مستقلة وتتكثف هذه الصور لتنسج مشهدا ناطقا يساهم في صنع القصة ويجعلك تعيش أحداثها وتتفاعل معها وللتدليل على ماذكر نقتبس بعض الجمل من قصص المجموعة:

-(ثم وهو يفتح الباب ليندفع منه أكثر من عشرة فيتناميين داخل الغرفة كالقطيع الهائج) فالقطيع الهائج صورة توحي بالفوضى والجلبة والذعر الذي أحدثه اندفاعهم القوي .وعندما أراد رئيس الفيتناميين أن يعتذر بدا (راسماً على وجهه الصافي ابتسامة صغيرة وديعة) وعندما خدعهم طافت على وجهه (ابتسامة مخاتلة هازئة أو محتقرة ) ليتركهم في (دهشة ساحقة) فكل هذه الصفات ساهمت في رسم القصة وبثت فيها حياة خاصة .
-(أيكون هذا الشعور المقبض بسبب من قتامة الشقة المعتمة ؟ أم ترى من آثار الرحلة الطويلة عبر المطارات المستفزة)

في هذه العبارة أربع صفات تكرس الشعور المقبض وتشخص اللحظة ، ووصف المطارات ب(المستفزة ) يختزل كل مايﻻقيه المسافر من عناء داخل المطارات . وترتبط هذه الإيحاءات لتتصل بحالة (الإعياء الفظيعة):
-(وارتميت على الأريكة الخشبية العتيدة في حالة إعياء فظيعة )
-(منتصباً بقامته المعصوره باذلاً جهداً استثنائياً مدارياً عرجه الطري بإمالة غير ملحوظة صاغتها مهارة فائقة تواري اعتماده الكامل على عكازه الرشيق بنقوشه الزاهية) فهنا يكاد الكاتب أن يصف كل كلمة في هذه الفقرة وكل صفة تنطوي على دلالات وتشير إلى المشقة التي يتكلفها لإخفاء حقيقة العرج المحبطة في جو بهيج . وتبرز في هذه الفقرة مقابلة طريفة بين النقص (قامته معصورة وعرجه الطري الذي لم يتكيف معه بعد) وفتنة الحوريات ويفصلهما ويؤلف بينهما التضليل المموه( عكازه الرشيق والنقوش الزاهية) . وأختم بهذه العبارات المختارة خشية الإطالة آمﻻ أن أكون قد وفقت في هذه القراءة المتواضعة :

- تداخل أريج العطر النسائي مكثفا الحضور الأنثوي الباذخ .
- اخترقت عيناه المشتعلتان الأشباح الآدمية المهرولة .
- وفيما كنت مستغرقا في حالة الفراغ الشاهق .
- وجهها المكتنز بالبراءة .
- قفزت لحظة ارتطام الغيمة المهتاجة بقمة جبل ظبقات غارسا قدمي الطريتين في صخوره الحادة .


31 ديسمبر 2015

في رثاء الشيخ علي باوزير



في رثاء العلامة المجاهد الشهيد بإذن الله /علي بن سالم باوزير-رحمه الله رحمة واسعة ورفع درجته في أعلى عليين .


أسف على أسفي الذي لاينقضي**
أرق طوى طرفي الذي لم يغمضِ


فتن توالت هيجت بظلامها**
محنا على الدين القويم كذا قضي


من مطفئين النور في زمن الدجى**
إذ كان نجماً هادياً للمستضي


يحوي كتاب الله بين ضلوعه**
والسنة الغراء والقول الرضي


كم من علوم خافيات بثها**
وسقى الأجادب سقي نهر فائض


صنو الفضائل والشمائل والتقى**
وأخو الشجاعة لم يكن بالمعرض


ِشيخ زكي النفس من علمائنا **
وهمُ لأمتنا كقلبٍ نابض

ِ
قد كان يطلبها الشهادة جاهدا** 
فأناله الرحمن أمراً يرتضي


شلت يمين الغادرين وقبحوا**
من جند إبليس اللعين المغرض


رجعت وجوه الكالحين بحسرة**
وعلا علي الخير ذو الوجه الوضي


عرّى ستورهم وأظهر حجة**
بالعلم ملجمة زمام الخائضِ


أخفيتموه فمن لكم بمآثر**
سارت إلى الافاق سير العارض


غدر ابن ملجم حين أفحمه علي**
في ساحة المحراب غدراً ينتضي


طعنوا بني الاسلام خلف ظهورهم**
فكأنه طعن العدو المبغض


ِفالحكم عند الله يوم معاده**
بالقسط بين يدي المعز الخافضِ

أفمن مضى مشهودة أيامه **
كمن انزوى في جنح ِِِ ليلٍ غامض


فلتحتسب غيل المكارم أجرها**
برحيل عالمها الشهيد الوامضِ


سيري عليها خطى علي وانفضي**
عنك غبار الزائفين لتنهضي