‏إظهار الرسائل ذات التسميات الذهب من معدنة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الذهب من معدنة. إظهار كافة الرسائل

07 ديسمبر 2021

ملامح التصوف في شعر الأديب الحكيم عبود بن عمرو الغتنيني

بعض ملامح التصوف في شعر الأديب الحكيم عبود بن عمرو الغتنيني

بقلم الأستاذالباحث / عادل حاج باعكيم

 

عرفنا من خلال تصفحنا لدواوين جماعة من شعراء حضرموت المتقدمين ملامح من روحانية التصوف الذي كان أولئك الشعراء يظهرونها جليَّة في سياقات أشعارهم المختلفة, وخلال بحثي في مساقات فكرة إعداد كتاب عن "شعراء التصوف الحضارم" التي كانت ومازالت تراودني منذ زمن, تصفحت الكثير من دواوين العلماء والأدباء الحضارم الذين منهم العلامة الحبيب علي بن محمد الحبشي والعلامة محمد بن محمد باكثير والعلامة محسن بن علوي السقاف والإمام عبدالله بن علوي الحداد والعلامة الحسن بن صالح البحر الجفري والقاضي الأديب عبدالله بن محمد باحسن والشيخ عبدالله بن أحمد الناخبي وغيرهم الكثير, في هذه الدواوين وغيرها ظفرت بأجزاءٍ من بغيتي في دراسة الحياة الفكرية لأهل حضرموت, فالشعر ديوان العرب أي مصدر تاريخهم ومسجِّل أحداث حياتهم .

تعد دراسة الملامح الصوفية في أشعار المتقدمين مدخلاً جيداً من مداخل دراسة الحياة الروحية والفكرية والعقائدية عند الشعوب, وقد رأينا من كتب عن الحياة الفكرية في حضرموت بعيداً عن التصوف أو بعيداً عن تأثير السلوك الصوفي في المجتمع أو قراءة ذلك التصوف من خلال تأثيرات فكرية خارجية دخيلة عن بنيان الفكر في المجتمع الحضرمي فكانت تلك الكتابات مزيجاً من الكدورات والانطباعات المغلوطة والخلط والخبط مما جعلها تكون معول هدم لا بناء في تسلسل الحياة الفكرية في حضرموت .

هناك عددٌ من الشعراء المتميزين في كل جزء من أجزاء حضرموت وللمشقاص شعراؤها المتميزون أيضاً كونها جزء لا يتجزأ من حضرموت . خلال بحثي المتواضع عن منطقة المشقاص وشعرائها وخاصة ونحن في صدد جمع كتاب سنفرد فيه بالدراسة جماعة من شعراء المشقاص الذين لهم تأثيرهم الواضح في المجتمع, وكنت حين جمعي لمادة هذا الكتاب "من شعراء المشقاص" أبحث وعن كثب في الأشعار التي استطعت الحصول عليها لأولئك الشعراء عن ملامح الحياة الروحية الصوفية والفكرية أيضاً لأكمل مادة الكتاب السابق الذكر "من شعراء التصوف الحضارم" فوجدت ضمن شعراء المشقاص بعضاً ممن أعطاني ما كنت أبحث عنه, منهم : الشيخ الفاضل عبدالله بن خالد باعباد والمقدم الأديب عبود بن عمرو الغتنيني .

أفرد الأستاذ العزيز فائز محمد باعباد كتاباً جيداً عن جده الشيخ عبدالله بن خالد باعباد أسماه (نفحات العوائد) جمع فيه الكثير من أشعاره التي كان التصوف الملمح البارز فيه, أما الأديب الفاضل المعلم عبود بن عمرو الذي أفردنا هذه العجالة لنبرز بعض ملامح شخصيته العاكسة للشخصية المشقاصية بشكل عام في زمانه القرن العشرين الميلادي .

ولد المعلم الفاضل المقدم الأديب عبود بن عمرو بن علي الغتنيني في منطقة سرار في مطلع القرن العشرين المنصرم, تلقى تعليمه على يد بعض أهل العلم في المشقاص منهم الشيخ عبيد بن عوضه والشيخ عمر بن محمد بن طاهر باحميد والشيخ برهان بن عبد الكبير باحميد, ثم افتتح في بيته مدرسة (عُلمة) لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم القراءة والكتابة ومبادئ علم الفقه, إضافة إلى هذا فهو إمام وخطيب المسجد الجامع بســرار ومأذونها الشرعي أيضاً, توفي ليلة الإثنين 19 ربيع الأول سنة 1406هـ الموافق الأول من ديسمبر 1985م فيرحمه الله رحمة واسعة .

جمع بعض الإخوان – حفظهم الله تعالى – ما تفرق من شعر هذا العلم البارز, فكان ذلك الديوان مزيجاً من الأدب والفكر والحياة, ويعدُّ – كما ندعي - مصدراً من مصادر تاريخ المشقاص, فقد ذكر فيه المعلم عبود بن عمرو إشارات يستطيع الحصيف من الكتَّاب أن يجمع منها مادة بحثية جيدة لدراسة جوانب متعددة من الحياة في المشقاص في القرن العشرين المنصرم, ومن خلال تصفحي العابر لذلك السِّفر الرائع وسماعي لبعض أبيات الحكمة التي تجري عذبة على ألسنة الشباب في أرض المسرة (منطقة سرار) تعرفت على ذلك الرجل الصافي العظيم فشدتني رغبة قوية إلى الخوض والتعرف عليه من الداخل وعن كثب فكان الديوان المذكور خير خبير أخبرني وأعلمني ماهية ذلك الرجل وكنهه وفكره .

من المعلوم أن لا تصوف من غير فقه والتزام بشريعة الله تعالى وأحكامه وتعاليم دينه الحنيف, فمن النماذج الشعرية التي يظهر فيها المعلم جوانب من علمه بالفقه والتزامه به قوله :

عا دين الاسلام كل مسلم لها مستعد

أركان الإسلام خمسة واضحة بالعدد

الأولى الشهادتين على المسلم بها نستعد

الثانية الخمس ودّيهــــــــا عليها عمد

الثالثة آدّاي زكاة من مــــــالك بـــود

وصوم رمضان رابع ركن يالمجتهد

والخامس الحج لازم لأهل ثروة وسد

يا محسن الفقة لأهل العلم درجة زيد

كل على نيّتـــــــه كل له ما قصــــد

يالله عسى نبلغ المقصود لا العزم جد

 

وقال في قصيدة أخرى :

قد سرت سائح من المارات لما عدن

ودرست جمع الكتب وفروضها والسنن

شفنا مضمر غني كل ما بغيته تمن

علـــم اللدنّي معي ما يمتلك بالثمــن

 

في المقطع الأول الذي من القصيدة التي مطلعها (بديت بك يا إلهــــي يا قوي يا صمــــد) والثاني من القصيدة التي مطلعها (وبديت بك يا إلهي عد ما الرعد حن) أظهر لنا المعلم معرفته الجيدة بعلم الفقه الذي كما قال أحد علماء حضرموت (آخر خطوة في الفقه أول خطوة في التصوف) وأيضاً يظهر لنا استغلاله للفرص التي تتوفر له للدعوة والتبليغ لتعاليم الإسلام والتنبيه على التمسك بها والعمل بأحكامها والتزام آدابها, وصرح في البيت الأخير بأنه ممن مَنَّ الله عليهم بالعلم اللدنِّي الذي ذكره ربنا بقوله (فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنَّا علما) وهذا العلم هو من العلوم التي لا يتحصل عليه إلا أصحاب المقامات الرفيعة الذين فنوا أنفسهم في العبادة والعمل الخالص لله عز وجل .

​ومن ملامح تصوف المعلم عبود ما جاء في القصيدة التي قالها جواباً على قصيدة الشيخ علي بن حسن بن محمد باعباد التي صرح فيها بشوقه لزيارة قبر حبيبه النبي محمد صلى الله عليه وسلم, وذكر فيها التوسل بالسلف وبجاههم الذي يقطع صميم الجبل - كما قال – وهذا الأمر هو من الأمور الصوفية الخالصة فالعقيدة والمحبة وحسن الظن بالصالحين هي من ملامحهم الصافية النقية التي تجعلهم يستشعرون المعية, قال المعلم :

ونزور قبر النبي المختار ختم الرسـل

صلّى عليه إله الحــق عز وجــل

وامر عبــاده يصلوا في كتابه نزل

ودعوا لنا بالجمالة في جميع الخصـل

يا أهل السلف جاهكم يقطع صميم الجبل

جدوا وجودوا نحن مثل من با فســل

حرر نهار الأحــد أربع ربيع منذ هل

واحد وخمسين أبيات المحـرر كمـل

 

​كما صرح في بعض شعره أن منطقته سرار فيها من الأولياء الصالحين الكثير فهي أرضهم وموطنهم وفيها مكمن أسرارهم, ذكر في هذه القصيدة أيضاً العشق والعاشقين ودواء القلوب وهذا مما يتميز به أهل التصوف والذوق الذين فنوا في حب الله ورسوله مما جعلهم يتلذذون بذلك الشوق, بل كان ذلك الشوق سبب وفاة بعضهم, فالمحبة تعد أصل التصوف النقي ومنبعه ومشكاته وهي التي يتغنَّى بها الصوفية في أشعارهم ويجعلونها أساساً في معرفة أحوالهم, فبقدر المحبَّة يكون المقام, وأتذكر الآن أبيات أشعر المتصوفين, وسلطان العاشقين, شرف الدين عمر بن علي بن الفارض التي يصرح فيها بشوقه الكبير وحبه العظيم وعشقه العميق لله عز وجل, كما يصرح أنه يشهده في كل أحوله وأن ذلك الحب عجن بلحمه ويجري في عظامه كالماء العذب النقي, قال :

خيالك بين طابقة الجفونِ

وحبُّك قد جرى في العظم مني

وذكرك في الخوافق والسكونِ

كجري الماء في قصب الغصونِ

 

إلى آخر القصيدة, أما أبيات المعلم عبود بن عمرو التي تحدثنا عنها فهي التي أرسلها إلى ابن شيخه ومعلمه الشيخ سالم بن برهان باحميد التي يقول فيها :

وســـــــرار فيها أسرار الأولياء ساكنين

وزرعها الهيل والكادي وعود البنيـــــن

شوفه شفاء القلب وثماره دواء العاشقين

 

ثم اعترف المعلم في تلك القصيدة بتتلمذه وأخذه عن المشايخ آل باحميد الذين يعدون من طبقات مشايخ المتصوفة بحضرموت, وذكر أنه من الواجب عليه بر مشايخه, وتذكر حينئذ الموت فهو في آخر عمره – كما قال - وأن هناك قبر وحساب وعقاب, واعترف بالتقصير والتوبة من ذنوبه, فقال (شيبة وتائب ولي في الوقت جملة سنين) مع أنه من أهل الصلاح كما نظن ويظهر لنا مما علمناه عنه, وفي كل أجزاء هذه القصيدة يظهر جلياً اهتمامه بالنصح والإرشاد وتسديد الدَّين الذي يستشعره بِرَّاً لآل باحميد الذين علموه فأخلص النصح بهذه القصيدة لولدهم سالم المذكور آنفاً, ثم ختم كلامه بالدعاء لنفسه بحسن الخاتمة والتلفظ بالشهادة عن الموت فقال (يا الله عسى خاتمة زينة شهادة يقيــن), وهذه الخصائص : تعظيم المشايخ وبرِّهم والفناء فيهم والاعتراف بالذنب والتقصير والإخلاص في النصح والإرشاد ورجاء حسن الخاتمة وطلبها دائماً وبإلحاح من صفات ومميزات أهل التصوف الذين قدروا الله حق قدره فظهر ذلك في أحوالهم وأعمالهم, فقال المعلم عبود في آخر تلك القصيدة المتقدمة الذكر :

خذها نصيحـــة تفيدك يا الفتى قع تقيـــن

لا بد من درس وتعلّم ســـأل عارفيــــن

والعفو منـك ومن أهـلك عبارة وديـــن

وشيوخـنا برهم واجب كما الواجبيـــن

لو كان عادي مطوّل في هوى العاشقين

با زيّد النول با طلّــع مع طامسيـــــــن

لي جابها خمس من مومبي إلى درقبين

شيبة وتائب ولي في الوقت جملة سنين

خائف من الموت عاده قبر ومحاسبين

ما تفيدك إلا عمالك عند رشح الجبيـن

عند انقباض الشمائل وانبساط اليمين

يا الله عسى خاتمة زينة شهادة يقيــن

من قالهـــا فاز يا ســــالم مع الفائزين

 

ومن النماذج الرائعة التي في شعر المعلم عبود بن عمرو الغتنيني – رحمه الله تعالى - التي يظهر من خلالها ذلك الفرد الصوفي الحكيم والخبير بالحياة بشفافية كاملة يتجلى من خلالها الإنسان الصادق في النصح والإرشاد وبيان غوامض الأمور الروحية والمادية التي تؤدي إلى العيش التمام وحسن الختام والتي أحببت أن أختتم بهما مقالي هذا, النموذج الأول قوله :

يـا مرحبا قول من عارف قصى المعذرة

الشيــــــــــخ لي طاف وتفكّر في الآخرة

المــــلك لله لا بغا شي لحد يســــــــره

يا شيــــــخ تفهم كــــــلام الله وتفسّـره

تفهم حديــــــث النبي آياته الباهــــره

لا تشتغـــــل بالغرور في الدنيا الماكرة

دار الفنـــــاء والعناء والعيب والمنكرة

على الآدمي يعتبـــر ينظــــــر للآخرة

ينظر وقوفه نهار البعث بالساهــــــرة

ينظــــر فعاله وينظـــر ما عليه أو له

ويقول هذه عمــــــالي كلهـــا حاصله

وفوين سلطانهـــــا الدولــــــة الطائلة

وين الفقيـــــــه الذي ما تغره العاجلة

هيهــــــــات تفريط بين اليوم والقابلـة

من ما سرى ليـل ما صبّح مع القافلــة

 

أما النموذج الثاني فهو قوله :

المهتيس قال بيـــــت بدي برب الجهه

سبحان من بيده التصريف والملك لـه

خلّق بنادم وله التصريف في طاعتــه

يا بخت من صدّق محمــــــد تبع ملته

مطرود مبعود من خالف ولا صدّقـه

ذلحين قم شل مكتوبـــــي عزم يا ذكه

واقصد سعيدان قل له عند عارف قره

مغبون لي ما فهم درســـــه ولا فسّره

الجهل علّــــة كبيــــــرة والتهم منكره

والظن رأس الخطايا ما معك مخبره

من فعلة إبليس خلى الناس في شنتره

خلّى المياريد من بعد الصفا مكدّرة

الكـــــذب زرعة كما ذرية بلا ماثره

ما حـد يذم المشاخص يا محبي دره

ذا لا ذهب والذهب أبلغ من العنبره

معزوز والعــز من داره وهو كفؤ له

من بعد ذا الدور شا ذا الفصل لا تعبّره

والختم صلوا على الشافع عدد ماطره

والآل والصحب هم والعترة الطاهره

 

والختام .. السلام .

ـــــــــــــــــــــــــــ

مجلة حضرموت الثقافية العدد الثالث عشر , مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر .

نشرة المسرة الثقافية العدد ( العاشر) ,   ملتقى شباب سرار الثقافي الاجتماعي  الريدة الشرقية .

26 ديسمبر 2016

شاعر المشقاص عبود بن عمرو الغتنيني


شاعر المشقاص عبود بن عمرو الغتنيني


كتبه/ هاني عبود الغتنيني

هو الشاعر عبود بن عمرو بن علي بن عمرو بن علي بن مزغوف الغتنيني 

من مواليد منطقة سرار إحدى قرى مديرية الريدة وقصيعر بمحافظة حضرموت عام 1904م  تقريبا.
تلقّى تعليمه الشرعي عن الشيخ عبيد بن عوضه رحمه الله حين كان إماما لمسجد سرار ثم درس بعد ذلك على يد الشيخ عمر بن محمد بن طاهر باحميد ومن بعده عن الشيخ برهان بن عبد الكبير باحميد رحمهما الله وكان التعليم آنذاك يتركز حول القراءة والكتابة وقراءة القرآن الكريم وتعلّم العلوم الشرعية ويتم بدافع ذاتي ورغبة من المتعلم وكان الشاعر عبود بن عمرو مجدا عالي الهمّة فنال حظا وافرا من العلم ونشأ نشأة صالحة منذ نعومة أظفاره .

تفتّـقت موهبته الشعرية وهو دون العشرين من عمره وكان سريع البديهة ذكيا فطنا فجادت قريحته بشعر عذب رصين متين ودخل ميدان الشعر إلى جانب كبار شعراء عصره ومما نقله الرواة جلسة على الحفة في عسد الجبل مع الشاعر حيمد بن الغطف الغرابي 
وهو شاعر كبير في مكانته وسنه حينها والشاعر عبود بن عمرو لم يبلغ العشرين. واستطاع مجاراة بن الغطف باقتدار ونال إعجابه وشهادته وهي مساجلة جميلة وطويلة نقتطف منها شاهدنا:
يقول حيمد بن الغطف الغرابي:-
يا صغير السن وقّـف بانتساير عالحقيقة في القعيدة
جبر ما بيني وبينك بانتساير عند حكمان

جواب عبود بن عمرو:-
جبر حيمد لي تعنّى بانصفّي ما على قلبه يريده
با نخلّي الحوض صافي كان شي شوكة وميزان

قال حيمد بن الغطف:-
نا بغيتك لا محلي في ربوع الحصن بامدك قليده
بانتساير عالحقيقة ما بغينا مال بهتان

جواب عبود بن عمرو:-
ما تهوّبت الثقيلة ما تعبر الحيد الا النجيدة
ساعدونا يا صحابي يوم نا دولة وسلطان

وصدقت فيه  فراسة حيمد بن الغطف الغرابي فأخذ عبود بن عمرو مقاليد حصن الشعر المشقاصي وأصبح شاعر ثعين وعموم المشقاص واسما لامعاً في سماء شعرها.

سافر الوالد عبود بن عمرو الغتنيني إلى السواحل في شبابه للعمل هناك حيث كانت وجهة المسافرين لطلب الرزق في ذلك الوقت ولا ندري مدة مكثه فيها غير أنه من عادتهم أن يمكثوا سنوات في تلك البلاد ويعاودوا السفر إليها وكان الوالد عبود بن عمرو الغتنيني يجيد اللغة السواحلية ومن طريف ما يروى أنه لما تفرغ للتدريس في منطقة سرار كان أحد الطلاب يجيد اللغة السواحلية إذ نشأ هناك عند والده فكان الطلاب إذا أرادوا الاستراحة طلبوا منه أن يكلم الوالد فيطلب منه الاستراحة بالسواحلية فيأذن لهم.

وأثناء إقامته بالسواحل كان يحضر مجالس الشعر التي يقيمها أهل هذه المناطق في أرض الغربة يعبّرون بها عن شوقهم وانتمائهم فلم يكن بعدهم عن وطنهم ليقطع صلتهم به وبتراثه وفنونه فقد نقلت لنا جلسة على الحفة في السواحل جمعته بالشاعر عوض بن السبيتي. 
قال عوض بن السبيتي:-
وسيل الحميمة لي ظواكم عسى السوم جابر
ولا شربت الجربة تقبل لها من قصب وسبول 

قال عبود بن عمرو:-
معنا سواقي لي تردن سيول العوابر
رحبت بالصادر وكلا ضوا عندنا مقبول

توصلت يا زين الدرايش خيار المناور
وصولك من منيبار والا من الهند واسطنبول.

ولما استقر به المقام في سرار أخذ في تجديد مسجدها الجامع وأمّهم فيه وأقام فيه الجمعة وكانوا من قبل يصلّون الجمعة في جامع الريدة كما قام بالتدريس فجعل من بيته مدرسة لتعليم القراءة والكتابة وتحفيظ القرآن الكريم فأقبل إليه الطلاب من سرار والقرى المجاورة واستفاد منه الكثير وتخرّجت من مدرسته دفعات عدة حملت القلم ورفعت لواء العلم في وقت ساد فيه الجهل وتفشّـت الأمية . كما كان مأذوناً شرعياً يتولى عقود النكاح وعقود البيع والشراء. 

وفي هذه الاثناء كان يعمل في مزرعة له جنوب سرار وعند حلول موسم الصرب يشترك مع بعض أصحابه في تجهيز الجريف فيعمل في البحر طيلة هذا الموسم وهو موسم مهم لأبناء هذه المناطق.
أما في موسم الخريف فينتقل الى عسد الجبل حال معظم بيت غتنين فيقيمون فيها قرابة الشهرين ليتصلوا بأموالهم هناك ويشرفوا عليها إذ كانوا يملكون أجزاء واسعة في ذلك الوادي الفسيح ولهم فيه حصن مشهور وناحية يسكنونها تسمى (زحر بيت غتنين)  أوالزحر على يمين الداخل إلى وادي عسد.

وهناك توطدت علاقته بكثير من وجهاء وشعراء تلك المناطق ومن يفد إليها من سكان الساحل المشقاصي حيث كانت عسد الجبل حينها ملتقى لأبناء المشقاص من مختلف المناطق يجمعهم موسم الخريف ويحصل بينهم التعارف والتآلف ويلتقي الشعراء والسمّار في جلسات الشعر والسمر في تلك الليالي الجميلة وخاصة في مناسبات الزفاف والأعياد ويتبارى الشعراء في إبراز بديعهم وما تجود به قرائحهم من كلمات. 

وفي هذه الأجواء المفعمة بحب الشعر الرصين وعشق الكلمات العذبة تعرف جمهور الشعر عن كثب على شاعر المشقاص عبود بن عمرو الغتنيني كما عرفته ساحات الزوامل وجلسات الشعر في كل أنحاء المشقاص شاعراً بليغاً فيّاض القريحة غزير المعاني عذب الألفاظ فسار شعره على الألسنة وذاع صيته وانتشرت أشعاره ولعلو مكانته في الشعر صار يقصده الناس للإجابة عما ورد إليهم من قصائد فقد جاءه مثلا عبدالله البساري بقصيدة للشيخ علي بن حسن باعباد فرد عليها وأرسل الشاعر عيظه بن الطير الجمحي قصيدة إلى المقدم حمد بن سعيد بن قتيب فورد بها على الوالد عبود بن عمرو ليجيب عنها وغيرها كما في ديوانه.

وكان ذات مرة في جلسة على الحفة مع جماعة من الشعراء منهم بن علي عامر اليافعي فجاء إليه رجل بينه وبين زوجته شقاق وطلب منه قصيدة في ذلك فقال له تريد قصيدة لتراضيها أم غضب وقناعة فقال غضب وقناعة فقال الوالد:-
ولعاد برجع * لو قال ألفين كر*  ما لنت يا قلبي لو با يلين الحجر
بنساه من بالي * يامن شنانا شنيته لو سقانا عسل جردان

وكان الشاعر عبود بن عمرو رحمه الله معتدا بقومه يفخر بهم  ويشيد بتاريخهم وأمجادهم يسند موهبته الفذة تاريخ مشرف لقبيلته (بيت غتنين) هذه القبيلة العريقة التي تحظى بسمعة حسنة وتقدير لدى القبائل المشقاصية فقد كان لسانها الفصيح المعبّر عن مآثرها والمدافع عنها في زمن ساد فيه الصراع القبلي, فاجتمع بذلك تألق الشعر وشموخ التأريخ كما اجتمع في شعر عبود بن عمرو رقة الزهد والصلاح وبلاغته وجماله وصلابة الغتنيني وشجاعته وجرأته فهو القائل للشيخ سالم بن برهان باحميد ابن شيخه هذا العتاب الرقيق:
بو عمرو قال الفتى صادق من الصادقين
مشهور معلوم وجميع العرب دارييـــــن
نا با تكلم وهاظ الرأس ما هو منيـــــــن
والي يسقّــي ذبوره والذي مزمنيـــــــن
وســـــــرار فيها أسرار الأولياء ساكنين
وزرعها الهيل والكادي وعود البنيـــــن
شوفه شفاء القلب وثماره دواء العاشقين
والشيخ قل له يفنّد في الذي هو هويـــن
يا للي ذكرت العدالي والحجز واللويــــن
كم من جمل في المحط والرأس ملقي ونين
ما تهوب العوش ضاري عا حمول الرزين
لولا الحرم والشروع الماضية الوافييـــــن
ما با رضي بالمذمـــــة فرّح الشانييــــن


وهو القائل في موضع آخر:
وسرار فيها شاربين المسكرة       قل للهلالي ما ربح من غارها

ولما حصل نزاع على آبار في الحافة بين الكثيري والغتنيني  قال الشاعر كعموم العليي وهم حلفاء الكثيري:
                قل للغتنيني يفتكر   يشاور صحابه والبدد
            كانه مطامع في البيار    قل له يتقنع من عسد

فرد عليه عبود بن عمرو بقوله:
ذلحين يا لهاجس نشد  ..  ويقول بو عمرو الفتى عا لهافية ما با سجد
ما شل ذي ما ينتقــد  ..  يوم العضيدة شابكه وعلى القوايم معتمــد
وسلام عا جمع البــدد ..  عا شجر الثعين صلاح الروم لي ناره وكـد
وعسد معي مسراح جد  ..  مسراح من زام الكفر وبدر عاده ما وجد
ما با تقنّع من عسد  ..  نخزي عليها بالخموس والكيل من روس العدد


وخرج بيت غتنين ذات مره في طردة ومعهم شاعرهم عبود بن عمرو حتى وصلوا إلى أطراف المهرة فاسترجعوا إبلهم  وصفّوا في تلك المنطقة فقال:

قال الصليب ابن الصليب   يا من معه دحن الوعل  بايوردونه عالطليب
سرّحـت ما نا مستهيــب   وتوسليــت المسكـــتي  للخصم قطاع النصيب

فساروا يتزملون بها  حتى وصلوا منطقة العيق فاستوقفهم وقال :
ندّخت من بحر الغزير** بحر المراكب والفلوك** والشحن من عود الكسير
عدّيـت شامـر بالكبير**   عدّيــت مانا مستهيـب  ** بين الشريحـي والكثــير

وعندما يتعرض بيت غتـنين وشاعرهم لاستفزاز من شاعر ما يكون الرد قوياً ومفحماً ويعتمد الشاعر في مثل هذه الحالات على الكنايات والاستعارات الجميلة التي تضفي على شعره رونقا وتزيده إبداعا ولم يكن من شأنه الفحش في القول وتجاوز حد الأدب فقد قيل له مرة والمقصود قبيلته :-

بو ثــــريا لــك حنيــن    ليشه لا الزمن قلب     والوقــات مقلبين
كانك من مطر صحين   كانك من مطر كنان   لا برقت من العين

فيذكر الشاعر أنه كان لهم شأن فيما مضى ولم يعد كما كان  فرد عليه:

لا الصناعة من تقين   بايتفـــاقد الخــلل    قبل لا العـوار يبيــن 
القسـي ما عاد يليــن  يقطع من غير مسن  في العلوب الراسيين 

أي أنه  كما كان  قويا لم يدخله لين وعلى عادته في القطع حاداً ماضياً 
لا يفتر ولا يحتاج إلى صقل (سن) .

ومع أن شعره كالنسيم العليل رقة وكالشهد  حلاوة إلّا إنه إذا نيل من قومه فإنه ينقلب الى بحر هائج متلاطم الأمواج لا يقوم له شيء فعندما كان في مساجلة مع أحد الشعراء يعمها الصفو والهدوء إذ بدرت من ذلك الشاعر كلمة أحفظتهم فكان الجواب:

موجه وخضير قلب .. وذلحين صدق الشان .. كل شاره فيها خب
عاده لي فصل زيب .. وانته عارف السفــر ..  وتربـّـن الخشــــب
وخضير اسم يطلق على البحر.
وعبّر بالبحر في مناسبة أخرى لكنه هذه المرة طغت أمواجه وصار أكثر قوة وهيجاناً بإحساسه برياح مصاحبة للسحب الممطرة ويكون البحر أشد اضطراباً في هذه الحالة ليستقبل سيلاً قادماً إليه فقد قال أحد الشعراء واصفاً نفسه بالسيل محذراً من أمامه :
ضويت من صيق عكل .. من هو عاطريق السيل .. يتوحز لا معزل 
فقابله البحر:

بحـر الحيـــوس رقل .. يـــوم عايــن المخــال.. وطهوب النو قبل
لا تحسبني بيت جفل .. صافي ومسقاي بميس .. وحديدي مي فتل 

وقد وصفه شاعر آخر بالبحر فأصاب وهو يقصد قومه فقال:
ذا ورى خضير كذي  ..  ذا ورى خضير عموم  .. اتشور  وتملي

فكان الجواب أن أشاد بقومه وتاريخهم المشرف مذكراً أن الغني يبلغ ما يريد :
من ضماره بايكفي  . . .   لي قدّم لي عذار ويشكي من قل الشي
المضمّـــر والغني  . . .    بي تبلّغ حيث يريد وحباله با تضفــــي
ثم أردف قائلاً 

موح العصر مو مدي  ...  ما با عابر بالشحـاح المهــاره بتوفــي
جيـبي بالرجال دفي   ...  خلّوا كل عوج سماح والنجيده لا تشبي

وعند زيارة السلطان القعيطي للريدة الشرقية وفد عليه صف بيت غتنين في من وفد من قبائل المشقاص يتزملون بقول شاعرهم عبود بن عمرو:

وبديت بالفرد الجليل     *    وعلى الصـوايب دلّنا يا ربنا وأنته دليـــل
وجّهت والمورد سبيل   *     شوكـة على قبّـانها عالحق واقف ما تميل

يالقبـــــولة ملّش طويـــل    *    وعلى الشروع البالغة من كالها بايستكيـــل
عادي مطوّل في الجميـل    *    وعلى الوثور السابقة عندك ونا عندي قبيل

فجعل قبيلته في مصاف الدولة ومقابلة لها مشيراً إلى المعاهدة بين الغتنيني والقعيطي والتي أنهت صراعاً بينهما دام سنوات وهي أول معاهدة للدولة القعيطية في المشقاص كما يقول المؤرخ الملّاحي.
ومع أن الشاعر رحمه الله قد طرق في شعره موضوعات شتى على ما هو معهود لدى شعراء عصره فإنه قد توسع في ادخال المعاني الايمانية والزوامل ومقدمات قصائده مع التزامه ذلك في أغلبها بما يجعله متفرداً في هذا الجانب فقد جعل ساحات الزوامل تردد معاني الثناء والتبجيل للخالق العظيم ونبيه الكريم وأطنب في هذا الأمر وأكثر وديوانه خير شاهد عل هذا يقول في إحدى قصائده:

بابــدي ونا في رجـــاك  . . .   يا إلهي يا قــــوي  . . .   ومــــــدور الفــــلاك
ما حد غيرك في الملاك . . .  والصلاة على النبي . . .  ما نا في الرسالة شاك

ويقول في قصيدة أخرى:
بابـــــدي والله كبـــر  . . .   يا مزين السماء بالكواكب والقمــــر
صلوا عالنبي حضر  . . .   له محبة فالقلوب والخواطر به تستر

وقد قضى في التعليم والاصلاح والحضور الشعري وفي عام 1972م  سافر الى مكة لحج بيت الله الحرام بصحبة ابنه الشاعر عمرو عبود الغتنيني وحج معهم في هذه السنة الشاعر الشيخ كرامة بن عمرو بن حماده الثعيني فترافقوا معاً وأكرم بهم من رفقة .

وقد عزم الشاعر عبود بن عمرو على إلا يقول الشعر بعد عودته من الحج كما أخبرنا بذلك الشيخ كرامة بن حمادة وفعلاً انقطع عن ميدان الشعر بعد أن حلّاه بأبهى الدرر والجواهر وسار بأقواله الركبان وقد ترك للشعر جماعة من الشعراء يقومون بمهامه في مختلف المناسبات والأحوال وفي ذلك يقول الشاعر أحمد بن سعد بن الخليسي الغتنيني مخاطباً عبود بن عمرو :
بوعمرو ياشيخ البلاد    *    باكسيك بز المشعبي لي هو على الدنيا وجاد
ما بيت شدّك عالحواد   *    ومعي دواسر باركة لي تجيك عاطلبه وكاد
فأجاب عبود بن عمرو:
نا حضرت في زام العناد   *    واليوم تخفيفي معي وأمّا الثقيلة عالنجاد
ما بيت قصّر ذا المواد     *    أما الزمان السابقي ضاري نسقّي به قواد

ولم يقل الشعر بعد هذا إلّا مرات معدودة ولأسباب خاصة فمن ذلك عند أن قدم عليهم صف الثعين مع شاعرهم الشيخ كرامة بن حمادة الثعيني بقصيدة على حرف (الصاد) فأجابه بعضهم بقصيدة ليست على نفس الحرف لصعوبة هذه القافية ولأن أكثر الشعراء كانوا أميين فرد ابن حمادة بقصيدة يطلب منهم استدعاء الصانع الماهر في صناعة الشعر ووكيله والقائم على خزائنه فقال:
بالحقــــائق ما تختــــــص  . . .  يمحــــن لا نكد الخو لا تنكـــد ونتغــــص
لا شي في الحساب نقـص . . .  يوفيه وكيل المال لا هو في الخزائن رص

فأرسلوا الى الوالد عبود بن عمرو فجاء متكئاً على عصاه حتى وقف أمام الصف وأنشأ يقول:
وكلامــــك له محـــــص  . . .  حيا من هدف وجاء لا هو بالضمير خلص
ما شي في الوهوم نقص  . . .  ليشه لا الزمــــن قلب والفتيلـــــة عالمقص

فقال ابن حماده مثنياً على الشاعر عبود بن عمرو ومكانته في الشعر :
ماهر في الصنع ختص  . . .  قدم من حبوب اللول صب الفضة فوق الفص
الفضـــايا عا تغــــتص . . .  عــــد وازر من قصـــب وشواغي متمــــتص

لقد كان للشاعر مكانة مرموقة في ربوع المشقاص مشهوداً له بالتقدم والفضل وكان ذا قدرة فائقة على صوغ الجملة الشعرية فأتى شعره جزلاً وألفاظه جميلة  منتقاة لا حشو فيها ولا زيادة عما يقتضيه المعنى ومعانيه غزيرة مع ما تضفي عليه الصور البلاغية التي يجيد استخدامها من رونق وجمال , ويتدفق شعره عن طبع وسرعة البديهة مع ما كان عليه الشاعر من خلق حسن وزهد وتأله وصلاح فلاقى قبولا حسنا عند الناس وثناء عاطرا وتلك عاجل بشرى المؤمن .

ولنأخذ ما قاله فيه أبرز رجالات الشعر والأدب والتأريخ وهي شهادة معتبرة معتد بها لأنها صدرت من أهل هذا الشان:

يقول الشاعر الشيخ كرامة بن عمرو بن حمادة الثعيني معلقاً على ما عرض عليه من أشعار الشاعر عبود بن عمرو التي تم جمعها:
 " إن الوالد عبود بن عمرو هذا الموجود غير كافي من بحره الزاخر في وقته ومع طول عمره الزاهر بالعطاء وما يذكر الناس عنه بأنه شاعر المشقاص جميعاً وشاعر غتنين وعموم ثعين ومن يسكن بجوارهم وإني حزين على ما فرط من إنتاج نبعه الصافي  ومهارته في صناعة الشعر وإنني غير مقتنع بهذه النتف ولا أعتبرها إلا رشة من محيط زاخر".
وهذ شهادة لها قيمتها من مثل الشيخ كرامة بن حمادة وهو من هو في الشعر والأدب .
إن مما يدعو إلى الحزن والأسى لدى المهتمين بالشعر أن لا يصلنا من شعر الوالد عبود بن عمرو إلا القليل وإنّ ضياع شعره وشعر غيره في ذلك الزمن  لخسارة كبيرة للأدب المشقاصي والحضرمي عموماً .

يقول عنه الكاتب والأديب المعروف  سالم العبد الحمومي :
" كان شاعراً مطبوعاً حكيماً ورعاً شهماً كريماً لا يجود الزمان بأمثاله إلا في ما ندر ".

يقول الشاعر سعيد سالم بلكديش عندما سئل عن شعراء المشقاص:
" حسب ما سمعت وقرأت وهذه من وجهة نظري الشخصية إن عبود بن عمرو كان المتميز فيهم مع الشيخ علي بن حسن باعباد ".

•      يقول عنه الكاتب والباحث المؤرخ عبدالله صالح حداد في كتاب معجم شعراء العامية الحضارمة:
"  الشاعر العامي عبود بن عمرو بن علي بن مزغوف الغتنيني من مواليد عام 1904 ببلدة سرار إحدى قرى مركز الريدة وقصيعر بشرق حضرموت , وقد تلقى تعليمه على كتّاب البلدة وعلى شيوخها واصل تعليمه. وقد أشاروا إليه بأنه ممن حمل لواء العلم في زمنه. فقد كان بيته مدرسة لحفظ القرآن , لإضافة إلى كونه خطيبأً وإماماً لمسجد جامع سرار . وكان شاعراً مجيداً , فهو شاعر المشقاص وقبيلة غتنين وكل عموم ثعين القضاعية, مع أخلاقه وزهده وورعه. وقد فارق الحياة ليلة الاثنين 19 ربيع الاول 1406هجريه  الموافق 1/12/1985 م ".
  
أصيب الوالد في آخر عمره بشلل أفقده القدرة على المشي فظل قعيد الفراش ما يقارب السبع سنوات وهو وافر العقل حاد السمع والبصر حتى وافاه الأجل في ليلة الاثنين تاريخ 19 ربيع الأول عام 1406هجرية الموافق الأول من ديسمبر 1985 م  بعد حياة حافلة بالعطاء .
له من الابناء اثنان عمرو بن عبود الشاعر المعروف وسعيد بن عبود ومن أحفاده الشاعر عبدالرحمن سعيد الغتنيني.
 رحم الله الوالد رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألحقنا به في أعلى عليين آمين .

ــــــــــــــــــــــــــ
عبود بن عمرو الغتنيني_ موسوعة الويكيبيديا

 مجلة حضرموت الثقافية العدد الثالث عشر , مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر .

ملحق نشرة المسرة الثافية العدد ( الرابع ) ,  ملتقى شباب سرار الثقافي الاجتماعي  الريدة الشرقية .

26 يوليو 2015

قبسات من الحكمة في شعر عبود بن عمرو الغتنيني




قبسات من أنوار الحكمة من أقوال الشاعر عبود بن عمرو الغتنيني

بقلم/ هاني عبود الغتنيني


   الحكمة نور يؤتيه الله من يشاء من عباده يضيئ قلوبهم ويجري على ألسنتهم ذلك انهم اقوام عمرت قلوبهم بخشية الله ومحبته وجوارحهم بطاعته فاستنارت بصائرهم بنور الحكمة.
فالحكم نصائح ذهبية وخلاصة التجارب البشرية ولباب العبر المصوغة في نظم درر ينتفع بها أولو الألباب ويسترشد بها إلى الصواب .

والحكمة وضع الشيء في موضعه بإحكام فعند الحكماء لكل مقام مقال ولكل حادث حديث ولذلك رأينا الشاعر العربي الحكيم يعد لكل حالة ما يناسبها فيقول:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم    ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني    إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج

وكل كلمة دعتك إلى مكرمة  أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وهي من حيث صياغتها الأدبية عبارة بليغة  موجزة تحمل معاني عميقة يستضاء بها في تقلبات الحياة ومنعطفاتها وأولاها بهذا وأحكمها أقوال الرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم فالحكمة كلها في اتباع وصاياه وأخلاقه وآدابه.
وتاريخنا وأدبنا العربي يزخر بالحكم الرائعة والأقوال الجميلة إذ هو منبع الحكمة ومعدنها ومصدر البلاغة  وموطنها وكذلك تراثنا غني بالحكم نظما ونثرا والتي تصطبغ بطابع البيئة والحياة الخاصة بهذه المنطقة بكل جوانبها وتظهر عليها بصمتها الثقافية واللغوية.
وكثيرة هي الأمثال والحكم التي تردد في مشقاصنا العزيز ويستشهد بها في المواقف المختلفة ولئن  كانت الحكمة تأتي في النظم والنثر فإن الشعر هو مظنة وجودها فهو منبتها الذي تزهر فيه.

ونقف معا أيها القارئ الكريم في ظلال الحكمة وأفيائها الوارفة مما قاله والدنا الشاعر المعروف/
 عبود بن عمرو الغتنيني –رحمه الله وأعلى درجته – لنقطف من ثمراتها اليانعة ما نتزود به في دروب الحياة ونتمثّله ونمتثل به فالشاعر مكثر من الحكمة عن بديهة وإلهام تنساب في ثنايا شعره  كالنسيم العليل المحمل بشذى الأزهار ويتدفق كالنهر العذب الرقراق لا يرى فيها أثر للتكلف والصنعة التي تعيق تدفق الشعر وانسيابه وسنتناول بعضاً من تلك الحكم منتزعين لها من سياقها والتي هي أجمل ما تكون فيه خشية الإطالة على أمل أن يستفاد منها قيما وأدبا ويكون فيها دافع للإرتقاء نحو الأفضل.
واليك أيها القارئ الكريم شذرات من تلك الحكم :
  •           حكم تتعلق بالاجتهاد والهمة وعلو النفس


من ما سرى ليل ما صبح مع القافلة
هذه الحكمة تحث على الجد والمثابرة وتصور الكسول الخامل كالنائم حين تنطلق القافلة ليلا قاطعة الفيافي والقفار لتصبح وقد وصلت إلى مقصدها بينما يصبح الذي آثر النوم والكسل في مكانه الذي بات فيه وشتان ما بين الفريقين وهذا يجعل المرء يسعى مجتهدا ويتحمل المشاق والصعاب ليحقق أهدافه وعلى أصحاب الهمم وطلاب المعالي أن يضعوا هذه الحكمة نصب أعينهم .
ونفس هذا المعنى يحمله قوله:
كلف على الساقين والمبعد يجي
ولعاد تهوب في المزاحم والعقاب
غير أن البيت الأول تظهر فيه مقارنة بين القافلة السايرة والمتخلف عنها وفي الثاني تتوجه النصيحة لبذل الوسع في الوصول إلى الهدف البعيد ماشيا على القدمين وكلاهما مشهدان مألوفان في قطع المسافات حينها .

ما حد يحذف صبر لي حصاته ما تغشاه
الصبر هو الجبل الشامخ الذي لا تضره ولا تضيره رمية رجل ضعيف بحجر صغير كما لا يضير ذوي الرفعة والمكانة تطاول الأقزام ولا تنقص من قدر الكرام سفاهات اللئام ونأخذ من هذه الحكمة احترام أهل المكانة والشرف ومعرفة الفضل لأهله وإنزال الناس منازلهم وألا يزيدنا حذف الصغار إلا إصرارا وسموا .
وقوله(ما حد) تعبير مشهور متداول في النهي عن فعل الشيء بصيغة النفي وقوله(لي حصاته ما تغشاه) مبالغة في إظهار ضعف الرامي للجبل ومعنى (ما تغشاه)لا تتعدى مكانه ولا تتجاوزه .

لكن تسديد المسايل لا خير
سيد الحكام السد في عرض وطول
يشير الى أن التقريب والصلح خير وأفضل مع ما ينطوي عليه من أخلاق كريمة كالصفح والتسامح والتنازل للآخرين وإذا وجد الصلح فلا حاجة للحكم بل الصلح هو سيد الأحكام في طول البلاد وعرضها ويشد السمع هذا الهمس الجميل الذي يضفيه السين وأخواتها على النص وكأننا بكبير قوم يصلح بين متخاصمين

ماشي معك عذر في قولة غبي ما فهم
ما قلت خالي وجبر الخال زايد حرم
وهذا يقال في اللوم والعتاب فقد نفى العذر عن المخاطب مستبقا له حيث لم يبق معه الا أن يعتذر بقلة الفهم وعدم الانتباه وهذا أيضا غير مقبول منه وهو رجل يعرف بالذكاء ويعرف ما يجب عليه وكان الاجدر به ان يحفظ مقام الخال الذي اشتهر القول عنه بان ( الخال والد ) ففي البيت الاول التخلي عما لا ينبغي وفي الثاني النصح بالتحلي بما ينبغي قوله ومع عدم قبول الشاعر لهذا العذر في هذا الموضع نجده يعتذر به لدفع اللوم عن رجل آخر فيقول :

غشيم سالم تهاون والغبي قد يزل
وهذا ينزل على انه يحتمل من الشخص ما لا يحتمل من غيره وهذه الحكمة يمكننا إيرادها للتخفيف من وطأة التقصير والملامة .
وتأمل براعة الاعتذار ورقة الاستعطاف لهذا الرجل الذي اكثر عليه في اللوم وحمل عليه التفريط وكيف اعتذر عنه بثلاثة أشياء في هذه العبارة الوجيزة وجعلها مقاطع في هذا البيت على هذا النحو المعبر   (غشيم سالم)  (تهاون) (والغبي قد يزل) .. وقوله الغبي قد يزل من استخدام قد للتكثير كقول الشاعر:
قد يدرك المتأني بعض حاجته  وقد يكون مع المستعجل الزلل

القبولة كسبنا من له عمل ما يمل
قد لي عوايد في المطراد بيّت وظل
يفخر الشاعر بما تتضمنه (القبولة) من شهامة ونخوة ومروءة ويقول انها تصلح لنا وتوافقنا (كسبنا) واننا جديرون بها نشأنا عليها وألفناها وأكد انهم مستمرون على ذلك لا تثنيهم الصعاب فختم بهذه الحكمة الرائعة  (من له عمل ما يمل) وكأنه قرأ قول المتنبي لكل امرئ من دهره ما تعودا.

من توسق في الثقيل ما يبالي بالتعب
هذه الحكمة تحث من دخل في أمر من المكارم أن يتمه ومن بدأ عملا عظيما أن يعلو بهمته ويكمل ما ابتدأه ولا يلتفت الى المتاعب والمشاق فمن أراد أن ينال الشرف والسؤدد فلا تثنيه عن مراده المصاعب ولا يبالي بالعقبات  وقوله (توسّق) أي حمله قال في مختار الصحاح (وسق الشيء أي جمعه وحمله).

والهاج له عادات إذا تحمّل هدر
ما يهمر المطلع ولا هاب النزول
الهاج هو الجمل القوي وكنّى به عن الرجل الذي يتحمّل ويركب الصعاب في سبيل العزة والشرف حتى صار ذلك عادة له فسهلت أمام همته العقبة الكؤود
ومن لا يحب صعود الجبال  ..  يعش أبد الدهر بين الحفر
ولا يصل الرجل الى مرتبة الشرف والسؤدد إلّا بتحمّل المكاره
لولا المشقة ساد الناس كلهم  ..  الجود يفقر والإقدام قتّال
وفي معنى ما تقدم  جاء قوله أيضاً:
ما تهوّبت الثقيلة  ما تعبر الحيد  إلا النجيدة

ما يعرف القول الصليب إلا الصليب
أي أن الرجل ذا المكانة والقدر يدرك معاني الشهامة والرجولة ويحفل بها لمناسبتها مقامه وعلو نفسه أما غيره فلا يعيرها اهتماماً ولا يبالي بها لأنه ليس من أهلها.


  •         حكم تتعلق بالتوكل والرجاء:


الخير واصل والشدائد با تهون

هذه العبارة الحكيمة تحث على التفاؤل بل تغرسه في النفوس غرساً بهذه الصيغة الجازمة النابعة من نفس ملؤها الثقة بالله وحسن الظن به وصدق الرجاء في فضله الواسع وهذا ما عرف به الشاعر رحمه الله ولذا جاءت العبارة وكأنه يرى الخير ماثلاً أمامه مقبلاً إليه والشدائد تتلاشى أمام هذه الثقة العظيمة وهذا المعنى الجليل يذكر بقول الشاعر:
وإني لأرجو الله حتى كأنما   أرى بجميل الظن ما الله صانع
ومن دقائق البلاغة تعبيره عن الخير بالاسم (واصل) الدال على الثبوت والاستمرار وعن الشدائد بالفعل (باتهون) الدال على التنقل..
وموضوع التوكل والاعتماد على الله تعالى ورجائه وحسن الظن به تتردد كثيراً في ثنايا قصائده من مثل قوله في قصيدته المطولة جواباً على الشاعر الشيخ علي بن حسن باعباد رحمه الله: 
ويسرك الحال ريض في الوطن حيث حل
الرزق يأتي به الرحمن كثراً  وقل
نحن عباده وفي التصريف تحت الوكل


الملك لله لا بغا  شيء لحد يسّره

يقرر أولاً وحدانية الملك لله المالك لكل شيء ثم وحدانية التصرف في هذا الملك بما تقـتضيه إرادته وحكمته فييسّر لكل مخلوق ما أراده له فالملك ملكه والأمر أمره وينبغي للعبد أن يتوجه برجائه إليه فهو الكريم الجواد الذي لا يخيب من رجاه وإذا أراد بأحد خيراً فلا راد له (لا بغا شيء لحد يسّره )  وفي كلمة يسّره من اللطف والرقة ما يجعلها تشير إلى قوله تعالى "ويرزقه من حيث لا يحتسب".
                                                      
   وبديــت بك يا إلهـي مكتــلف يا نظير
عبدك على باب جودك مو على باب غير
يقول بو عمرو ما نقبض بحبل القصير
قابض بحبل القوي راجي من الرب خير

بدأ الشاعر رحمه الله بذكر الله وصفاته العلى والثناء عليه كعادته في ابتداء قصائده حيث تفيض فواتح قصائده بمعاني الإيمان والتوحيد ويختمها كذلك وهي ظاهرة جلية يلتزمها الشاعر ويتوسع فيها وهي نابعة عن إيمان وصفاء روحي فطري بعيداً عن الهالات والتفلسف ولذا يكون لها شأن آخر عند ذوي العرفان ومنازل الايمان وهؤلاء يجدون بغيتهم في شعره رحمه الله كما يجد طلاب التاريخ والأدب ضالتهم فيه.
فقوله ( وبديت بك يا إلهي )  فيه من المخاطبة والنداء والاضافة ما يوحي بالقرب وعظم الصلة بالله ثم ذكر بعدها صفتين عظيمتين تناسبان  المقام مكتلف يا نظير فالمكتلف المدبر للأمور المتكفل بأرزاق العباد والنظير الذي يراعي أحوالهم ويرى حالهم.
ورسوخ هاتين الصفتين في النفس يجعلها أكثر اعتماداً وتوكلاً على الله ويفتح لها باب الرجاء في جوده وكرمه مهما كانت الأحوال ولهذا قال بعدها ( عبدك على باب جودك مو على باب غير )  يتوسل إليه بالعبودية والخضوع واقفاً على بابه الكريم الذي عم بجوده كل موجود هذا الباب الذي من قرعه يوشك أن يفتح له فيغمره بفضله وإحسانه.
 والخضوع والذلة له هي غاية العزة والرفعة وأما الطمع في المخلوق فهو غاية الذلة والحرمان  لذا قال  ( مو على باب غير )  أيا كان هذا الغير كما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه "لا يرجو امرؤ إلا ربه ولا يخافنّ إلا ذنبه".
وكلمة (مو) في اللهجة المشقاصية كلمة نفي بمعنى ليس وأظنها أخذت من (ماهو) لأن بعض أهل المشقاص ينطقونها (مهو)  وبعد هذا  البيت الذي أظهر فيه رجاءه في جود الله وكرمه واعتماده على من تكفل بأمور عباده أخذ يمثل هذا المعنى ويصوره في صورة ظاهرية محسوسة فقال: 

يقول بو عمرو ما نقبض بحبل القصير
قابض بحبل القوي راجي من الرب خير

فشبه الاعتماد على غير الله تعالى من المخلوقين والنظر إليهم بمن يمسك حبلاً قصيراً لا يوصله إلى مبتغاه ولا يغني شيئاً وذكر أن هذا ليس من عادته ولا ينبغي فعله وإنما عادته التمسّك بحبل الله القوي المتين المتصل بالسماء و(القبض) شدة إمساك الشي  باليد ومع هذا القبض نجد أن القلب مفعماً بالرجاء راجي من الرب خير
وبهذا يكمل معنى التوكل الاعتماد على الله بالقلب مع الأخذ بالأسباب .
والتعبير بالحبل عن السبب والوسيلة مناسب للسعي في طلب الرزق وهو سبب القصيدة واستخدام الحبل بهذا المعنى ونحوه وارد في اللغة كما قال تعالى "إلّا بحبل من الله وحبل من الناس" أي بإعانة..
واستعملته العرب في أشعارها كثيراً  فقال جرير:

بان الخليط ولو طوعت ما بانا
وقطّعوا من حبال الوصل أقرانا

أي قطعوا أسباب الوصل والمودّة.


  •         حكم تتعلق بالعلم والجهل:

ذا الكلام يبي تنبيه  * المسائل الغزار * ما يفتيهن لا الفقيه
هذا البيت يرشدنا الى ان بعض الكلام يشتمل على  معاني دقيقة لا يدركها كل احد ولذا تحتاج الى ان يفطن لها وينبه عليها ولا يتقن ذلك الا من اوتي علما وفقها فيدرك منها حسب مرتبته في الفقه ولهذا ينبغي ان تترك لأصحابها  (المسائل الغزار ما يفتيهن لا الفقيه ).
وقد ابدع الشاعر في تشبيه هذه المسائل بعمق البحار او البئر العميقة التي لا يصل الى قعرها ويستخرج جواهرها ودررها الا من امتلك مقدرات على وامكانات خاصة وهم اهل العلم والفقه.

حذرك لا تبع هواك  كل عارف لي يفتي  مي تحيّر في الشباك
تلفتنا هنا صورة العالم الخبير بمداخل الامور ومخارجها الذي لا تتمكن شباك الجهل والحيرة من اعاقته او  الامساك به يقابلها صورة الجاهل العالق في الشباك وهو يعالجها فلا يستطيع الافلات منها وهو ارشاد لنا لمعرفة طريق الخروج قبل الدخول في امر ما وبيان اهمية العلم في انارة الطريق وعاقبة الجهل .

لي مو عارف العسل  خلّط العقيق معه
العسل كناية عن الشي الجميل من الكلام والاخلاق والعلاقات وربما الاشخاص والذي لا يميّز جميل هذه الاشياء من قبيحها وحلوها من مرّها  يعامل العسل معاملة العقيق  ويخلط هذا بذاك فيفسده كما يفسد الجاهل العسل بخلط العقيق معه.
والعقيق هو الشي المر المذاق الذي لا يستساغ وهو ايضاً مادة مرّة المذاق جداً تنتجه النحل وتوجد في خليتها يعرفها مربوا النحل والشاعر أخذ المعنى من هذا فإن الذي لا يعرفه يظنه عسلاً  وهذه الحكمة تدعو الى معرفة قدر الصفات الجميلة ومقابلتها بما تستحق وعدم افسادها بما يضادها فان قليلا من قطرات مرّة كفيلة بإفساد الكثير من العسل.

يا محسن الفقه لاهل العلم درجة زيد
يا محسن الفقه هذه صيغة تعجب لمدح الفقه وابراز مكانته العالية ولعلها تحوّرت عن صيغتها في الفصحى (ما أحسن الفقه) ويقال ايضاً في اللهجة المشقاصية في مدح الشيء (مزينه)
أي (ما  أزينه) ثم انتقل الشاعر الى مدح اهل العلم وبيان درجتهم العالية في الدنيا والاخرة .
(لأهل العلم درجة زيد )  وهو مقتبس من قوله تعالى " يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " .

أنت خابر وضيعك والذي فيها
هذه من قصيدة أجاب بها على شاعر تعالج شكاية من امر ما ويبدو ان الشاعر رحمه الله لم تتضح له بعض تفاصيل ذلك الامر فقال:
وان كان قصدك لثاني ما فهم معناك .. انت خابر وضيعك والذي فيها

وهذه الحكمة بمعنى قول العرب  (أهل مكة أدرى بشعابها)  و (صاحب البيت أدرى بالذي فيه) .
وقوله (خابر)  أي عالم به من الخبرة وهي المعرفة الدقيقة  و (وضيعك)  الوضيع هو المكان الذي تضع فيه متاعك واغراضك وغالبا ما يكون صندوقا او بيتاً ( والبيت يطلق في اللهجة على الحجرة من الطين ) وربما اطلقوا الوضيع على المتاع نفسه .
وأصلها في اللغة الوضيعة  قال في مختار الصحاح(  الوضيعة واحدة الوضائع وهي أثقال القوم )


                                   الجهل علّــــة كبيــــــرة والتهم منكره
والظن رأس الخطايا ما معك مخبره
من فعلة إبليس خلى الناس في شنتره
خلّى المياريد من بعد الصفا متكــدره
الكـــــذب زرعة كما ذرية بلا ماثره
ما حـد يذم المشاخص يا محبي دره
ذا لا ذهب والذهب أبلغ من العنبره
(الجهل علّة كبيرة ) هذا أصدق وصف للجهل وأبلغه فالجهل علّة تتولد عنها علل وأمراض متعددة تفتك بالفرد والمجتمع فما من آفة ولا بليّة الا والجهل أساسها وأهم أسبابها وهذه العلّة الكبيرة علاجها العلم والمعرفة
(والتهم منكرة ) أي أن إلقاء التهم على الناس خطأ عظيم فاحش لما فيه من تنقص الآخرين والإساءة اليهم وإلصاق السوء بهم لمجرد الظن,  والتهم أيضاً منكرة بمعنى أنها غير مقبولة فلا ينبغي تصديقها .
(والظن رأس الخطايا  ما معك مخبرة  ) ينبّه الشاعر في معرض إبطاله للمقدمات التي أوصلت الشاعر المجاب على قصيدته الى موقف خاطئ  ويبيّن خطورة الظن السيء في إصدار أحكام خاطئة تتبعها تصرفات ومواقف وإفساد العلاقات الاجتماعية بين الناس  وبدء كل هذا وبابه الظن السيء ولربما كان المتهم خلاف ذلك تماماً ولهذا جعل القرآن الكريم هذا المسلك باباً للخطأ والضلال فقال " ومالهم به من علم إن يتبعون إلا الظن "  وأمر المؤمنين باجتنابه " يا أيها الذين ءامنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ".
وبما أن المخاطب اعتمد على الظن الذي لا يغني شيئاً  بيّن له الشاعر أن المعتمد عليه هو اليقين الذي لم يتوافر لديه فقال  ( ما معك مخبره ).
( من فعلة ابليس خلّا الناس في شنتره )
وهنا يتناول الشاعر مصدراً آخر للخطايا محذراّ منه مبيّناً العاقبة الوخيمة المرتبة على اتباعه ويصور آثاره السيئة في التفريق بين الناس وإلقاء العداوة والبغضاء بينهم  ( خلّا الناس في شنتره ) أي في تفرق واختلاف فيبعد المرء من صاحبه والخل عن خليله يقال في اللهجة (شنتر الشيء) أي مزّقه وفرّقه ولها أصل في اللغة الفصحى يقال شنتر الثوب أي مزّقه , فإبليس لا يفتأ يفسد بين الناس بشتى أنواع الكيد والمكر فاللحمة الواحدة والاجتماع والألفة يجعلها مزقاً مبعثرة  وهي تمثيل للصورة القبيحة التي يخلّفها فعل إبليس .
(خلّا المياريد من بعد الصفا مكدّره )
وهذه صورة أخرى يرسمها الشاعر بكل ابداع لتتجلّى لنا عاقبة الاستجابة لنزغات الشيطان فتتعظ النفوس وتنفر من الأسباب المؤدية إليها والتي سبق للشاعر بيانها.
وهنا يبرز الفرق بين حالة الود والتقارب والتي رمز لها الشاعر بالمنهل العذب الصافي وحالة التنافر والتي جعلها كالمورد الكدر الآسن وكيف يعمد الانسان الى المورد الصافي فيكدّره اتباعاً للشيطان
و(المياريد) جمع ميراد  ويقصد به الماء مأخوذ من المورد.

(ما حد يذم المشاخص يا محبي دره )
أي لا ينبغي لأحد أن يفعل هذا الفعل فكيف يصدر منك  وهو نفي متضمن للنهي وهذا الأسلوب الجميل
( ما حد يفعل كذا )  غاية في الزجر وهو متداول في الشعر المشقاصي.
والمشاخص جمع مشخص وهي الجنبية المزينة بالذهب وقد درج الشعراء على استعارة هذه الصورة للمرأة وارتبطت بها فلا يليق بأحد أن يذم المرأة الكريمة الشريفة ويأتي هذا المدح واثباته للموصوف بعد ان انتهى الشاعر من إسقاط  المستند الذي اعتمد عليه الشاعر المجاب عليه فأتى على الجهل والظن وفعل إبليس  وقد سلك شاعرنا في الاقناع بحنكته المعهودة طريقة النفي والاثبات وهي طريقة قوية بديعة .
وقوله ( يا محبي دره ) فيه من اللطف والرقة ما يجعل النصيحة أحرى بالقبول.
( ذا لّا ذهب والذهب أبلغ من العنبرة )
( ذا لّا ذهب ) تأكيد لمدح المشاخص وهو أسلوب حصر فكأن الممدوح ذهب خالص وهو أسلوب يبدو مأخوذاً من قولهم في الفصحى  ما هذا إلا ذهب
والذهب من أبلغ ألفاظ المديح المتداولة  وقول الشاعر ( والذهب أبلغ من العنبرة ) أي بقيمته الجمالية والمعنوية.

  •        حكم في ذم العجلة واتباع الهوى

لي هي سخيفة بكّرت بثمارها
هذه الحكمة تقال في من يبدي قولاً أو فعلاً قبل أوانه وفي غير موضعه وقوله (سخيفة) من السخف وهو الخفة وقلة العقل وينتج عنه سوء التدبير وعدم مناسبة المقال للمقام والاستعجال في الأمور فيتخذ القرار الخطأ في الوقت الخطأ وتشبيه الشاعر هذه الحالة بالشجرة التي تخرج ثمرها قبل أوانه (بكّرت بثمارها)
تشبيه رائع فبين المشبه والمشبه به مناسبة أخرى دقيقة وهي أن مواقف الانسان تكمن بداخله كالشجرة التي تكنز ثمارها في باطنها فإن كان سخيفاً عجولاً أخرجه قبل أوانه .

من تبع هيوظ الرأس بالميوح بعدن به
أي من أطاع هوى نفسه أبعده عن طريق الصواب ووقع في الخطأ و(هيوظ الرأس) أفكاره وخواطره  و(الميوح) جمع ميح وهو المسافة البعيدة (أو الوقت).

عي تحسّف ومظيوم    لي تبع ورا الهوى   وتغرنّه العزوم

نلحظ أولا بلاغة الأسلوب في تقديم النتيجة على السبب ليسترعي الانتباه وتتطلع النفس لمعرفة ما بعده
(عي تحسف ومظيوم) ليقال من هو ؟ فيأتي الجواب إنه المتبع لهوى  النفس وما تمليه عليه وتزينه له ولا شك أن من كانت هذه حاله فإنه سينقلب بالحسرة والندامة وهذا يوجب علينا أفرادا وجماعات أن نفكر مليا في ما نأتي ونذر من أقوال  وأفعال وننظر إلى ما يترتب عليها من صلاح وفساد قبل الإقدام عليها.
وشبيه بهذا المعنى قوله:
حذرك لا تبع هواك   كل عارف لي يفتي    مي تحيّر في الشباك

ــــــــــــــــــــــــــ

 مجلة حضرموت الثقافية العدد الثالث عشر , مركز حضرموت للدراسات التاريخية والتوثيق والنشر .

ملحق نشرة المسرة الثافية العدد ( الرابع ) ,  ملتقى شباب سرار الثقافي الاجتماعي  الريدة الشرقية .